فخر الدين الرازي
56
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 15 إلى 16 ] بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ ( 16 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : أن اللّه تعالى وصف الملائكة بثلاثة أنواع من الصفات : أولها : أنهم سفرة وفيه قولان : الأول : قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة : هم الكتبة من الملائكة ، قال الزجاج : السفرة الكتبة واحدها سافر مثل كتبة وكاتب ، وإنما قيل للكتبة : سفرة وللكاتب سافر ، لأن معناه أنه الذي يبين الشيء ويوضحه يقال : سفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها القول الثاني : وهو اختيار الفراء أن السفرة هاهنا هم الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين اللّه وبين رسله ، واحدها سافر ، والعرب تقول : سفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم ، فجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي اللّه وتأديته ، كالسفير الذي يصلح به بين القوم ، وأنشدوا : وما أدع السفارة بين قومي * وما أمشى بغش إن مشيت واعلم أن أصل السفارة من الكشف ، والكاتب إنما يسمى سافرا لأنه يكشف ، والسفير إنما سمي سفيرا أيضا لأنه يكشف ، وهؤلاء الملائكة لما كانوا وسائط بين اللّه وبين البشر في البيان والهداية والعلم ، لا جرم سموا سفرة . الصفة الثانية : لهؤلاء الملائكة : أنهم كرام قال مقاتل : كرام على ربهم ، وقال عطاء : يريد أنهم يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع وعند قضاء الحاجة . الصفة الثالثة : أنهم : بَرَرَةٍ قال مقاتل : مطيعين ، وبررة جمع بار ، قال الفراء : لا يقولون فعلة للجمع إلا والواحد منه فاعل مثل كافر وكفرة ، وفاجر وفجرة القول الثاني : في تفسير الصحف : أنها هي صحف الأنبياء لقوله : إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى [ الأعلى : 18 ] يعني أن هذه التذكرة مثبتة في صحف الأنبياء المتقدمين ، والسفرة الكرام البررة هم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل هم القراء . المسألة الثانية : قوله تعالى : مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ يقتضي أن طهارة تلك الصحف إنما حصلت بأيدي هؤلاء السفرة ، فقال القفال في تقريره : لما كان لا يمسها إلا الملائكة المطهرون أضيف التطهير إليها لطهارة من يمسها . قوله تعالى : [ سورة عبس ( 80 ) : آية 17 ] قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين ، عجب عباده المؤمنين من ذلك ، فكأنه قيل : وأي سبب في هذا العجب والترفع مع أن أوله نطفة